ابن خلدون
295
تاريخ ابن خلدون
الخلل في الشوكة والعصبية ثم نرجع إلى طروقه في المال والجباية واعلم أن تمهيد الدولة وتأسيسها كما قلناه إنما يكون بالعصبية وأنه لا بد من عصبية كبرى جامعة للعصائب مستتبعة لها وهي عصبية صاحب الدولة الخاصة من عشيرة وقبيلة فإذا جاءت الدولة طبيعة الملك من الترف وجدع أنوف أهل العصبية كان أول ما يجدع أنوف عشيرته وذوي قرباه المقاسمين له في اسم الملك فيستبد في جدع أنوفهم بما بلغ من سوادهم لمكانهم من الملك والعز والغلب فيحيط بهم هادمان وهما الترف والقهر ثم يصير القهر آخرا إلى القتل لما يحصل من مرض قلوبهم عند رسوخ الملك لصاحب الامر فيقلب غيرته منهم إلى الخوف على ملكه فيأخذهم بالقتل والإهانة وسلب النعمة والترف الذي تعودوا الكثير منه فيهلكون ويقلون وتفسد عصبية صاحب الدولة منهم وهي العصبية الكبرى التي كانت تجمع بها العصائب وتستتبعها فتنحل عروتها وتضعف شكيمتها وتستبدل عنها بالبطانة من موالي النعمة وصنائع الاحسان وتتخذ منهم عصبية إلا أنها ليست مثل تلك الشدة الشكيمية لفقدان الرحم والقرابة منها وقد كنا قدمنا أن شان العصبية وقوتها إنما هي بالقرابة والرحم لما جعل الله في ذلك فينفرد صاحب الدولة عن العشير والأنصار الطبيعية ويحس بذلك أهل العصائب الأخرى فيتجاسرون عليه وعلى بطانته تجاسرا طبيعيا فيهلكهم صاحب الدولة ويتبعهم بالقتل واحدا بعد واحد ويقلد الآخر من أهل الدولة في ذلك الأول مع ما يكون قد نزل بهم من مهلكة الترف الذي قدمنا فيستولي عليهم الهلاك بالترف والقتل حتى يخرجوا عن صبغة تلك العصبية ويفشوا بعزتها وثورتها ويصيروا أوجز على الحماية ويقلون لذلك فتقل الحماية التي تنزل بالأطراف والثغور فتتجاسر الرعايا على بعض الدعوة في الأطراف ويبادر الخوارج على الدولة من الأعياص وغيرهم إلى تلك الأطراف لما يرجون حينئذ من حصول غرضهم بمبايعة أهل القاصية لهم وأمنهم من وصول الحامية إليهم ولا يزال ذلك يتدرج ونطاق الدولة يتضايق حتى تصير الخوارج في أقرب الأماكن إلى مركز الدولة وربما انقسمت الدولة عند ذلك بدولتين أو ثلاث على قدر قوتها في الأصل كما قلناه ويقوم بأمرها غير أهل عصبيتها لكن إذعانا لأهل عصبيتها ولغلبهم المعهود واعتبر هذا في دولة العرب في